ترى ياسمين الصباوي أن إدارة الرئيس الأميركي دونالد ترامب تعاملت مع اختطاف الرئيس الفنزويلي نيكولاس مادورو باعتباره عرضًا سياسيًا مسرحيًا أكثر منه خطوة مدروسة، قبل أن تجد نفسها عالقة في مشروع «بناء دولة» لم تضع له تصورًا واضحًا. ويجمع خبراء أميركيون على أن فنزويلا لم تشكل أي تهديد مباشر للولايات المتحدة، وأن واشنطن نفذت العملية أساسًا لأنها قادرة على ذلك.
يذكر تقرير ميدل إيست آي أن محللين حذروا من أن انشغال الولايات المتحدة في أميركا اللاتينية يمنح روسيا والصين فرصة ثمينة لتعزيز مواقعهما، في وقت تواجه فيه واشنطن أولويات عالمية أخرى أكثر إلحاحًا.
عملية بلا منطق استراتيجي
يشدد أستاذ العلوم السياسية البارز في جامعة شيكاجو، جون ميرشايمر، على أن اختطاف مادورو يشكل انتهاكًا واضحًا للقانون الدولي والمعايير الحاكمة للعلاقات بين الدول. ويؤكد أن المنطق الاستراتيجي ينهار أمام هذه الخطوة، مشيرًا إلى أن واشنطن، إن كانت تسعى فعلًا لمكافحة تهريب المخدرات، لكان من الأجدر أن تواجه قادة دول أقرب وأكثر تأثيرًا على هذا الملف.
يحذر ميرشايمر من أن الولايات المتحدة تنزلق مجددًا إلى مستنقع بناء الدول، وهو المسار الذي أعلن ترامب سابقًا رفضه، بينما تتجاهل الإدارة تحديات داخلية وخارجية أكثر إلحاحًا. ويرى أن اختطاف رئيس دولة ذات سيادة ومحاكمته في نيويورك لا يخدم المصالح الأميركية، بل يفتح بابًا واسعًا للفوضى السياسية والقانونية.
«لا توجد خطة»
يصف كيرت ميلز، المدير التنفيذي لمجلة ذا أميركان كونسيرفاتيف، العملية بأنها امتداد لهوس ترامب بالعمليات الخاصة التي تمنحه صورة القائد العسكري من دون تحمل تبعات استراتيجية طويلة الأمد. ويذهب أستاذ التاريخ في بومونا كوليدج، ميجيل تينكر سالاس، إلى أبعد من ذلك، معتبرًا ما جرى «استعراضًا إمبراطوريًا» يكشف في الوقت نفسه قوة الولايات المتحدة وضعفها.
يشير سالاس إلى أن القوات الأميركية قادرة على الضرب في أي مكان، لكنها تفتقر إلى رؤية واضحة لليوم التالي. ويتساءل عن الخطة السياسية والإدارية بعد إسقاط القيادة، مؤكدًا أن غياب التصور يعرّي هشاشة المشروع برمته.
أعلن ترامب أن واشنطن ستتولى «إدارة» فنزويلا، وأسند المهمة إلى وزير خارجيته ماركو روبيو، المعروف بدعوته الطويلة لإسقاط قيادات فنزويلا وكوبا. وفي خطوة مفاجئة، تجاهل ترامب زعيمة المعارضة ماريا كورينا ماتشادو، معتبرًا أنها تفتقر للدعم داخل المؤسسات الأمنية والعسكرية.
النفط.. ذريعة أم هدف؟
على الرغم من امتلاك فنزويلا أكبر احتياطي نفطي مؤكد في العالم، يشكك ميلز في جدوى الرهان الاقتصادي السريع، معتبرًا أن ما يجري أقرب إلى «حرب افتراضية على النفط». ويؤكد أن الإدارة الأميركية استولت على مادورو لكنها لم تسيطر على النفط، ولا تملك خطة عملية لإعادة تشغيل القطاع في المدى القريب.
يحذر ميلز من أن أي محاولة لخفض أسعار النفط إلى ما دون 50 دولارًا للبرميل قد تؤدي إلى بطالة واسعة داخل الولايات المتحدة، خصوصًا في ولايات تعتمد على الطاقة مثل تكساس، ما يجعل الكلفة الداخلية مرتفعة سياسيًا واقتصاديًا.
مكاسب لروسيا والصين وتصدع التحالفات
يرى ميرشايمر أن التدخل الأميركي يمثل «هبة من السماء» لبكين وموسكو، إذ يقيّد قدرة واشنطن على التركيز على آسيا وأوروبا. ويؤكد أن الانغماس في مشروع طويل الأمد في فنزويلا يعقّد أي محاولة لإعادة توجيه الموارد نحو منافسة الصين أو إدارة الصراع في أوكرانيا.
في المقابل، يستبعد خبراء تكرار السيناريو الفنزويلي مع قادة يساريين آخرين في أميركا اللاتينية، مشيرين إلى اختلاف السياقات السياسية ودرجات الشرعية الشعبية. غير أن القلق الأكبر، بحسب المحللين، يسود في أوروبا، خاصة مع تهديدات ترامب المتكررة بشأن غرينلاند.
ينتقد سالاس الصمت الأوروبي حيال ما جرى في فنزويلا، معتبرًا إياه مؤشرًا على ضعف سياسي، سواء بدافع الخوف من تخلي واشنطن عن دعم أوكرانيا أو من استخدام الرسوم الجمركية أداة ضغط. ويذهب ميرشايمر إلى وصف إدارة ترامب بأنها «عملية مارقة» حولت الولايات المتحدة إلى دولة تتصرف خارج القواعد التي طالما دافعت عنها.
بهذا، تكشف أزمة فنزويلا، وفق الخبراء، عن سياسة خارجية أميركية قائمة على الاستعراض والقوة الآنية، من دون حساب دقيق للعواقب، في عالم بات أكثر استعدادًا لاستغلال أي انكفاء أو تشتت في القرار الأميركي.
https://www.middleeasteye.net/news/spectacle-empire-us-has-no-day-after-plan-venezuela-experts-say

